انكسار سيف بداية حيف

لسان حال سيف الإسلام القذافي، وهو يتكئ على مسند متواضع يقول: ارحموا عزيز قوم ذل.. ذل وهوان، بعد عز واعتزاز وجبروت.. عندما تشاهد إنساناً في حال الانكسار والاندحار أياً كان ماضيه، وأياً كان تاريخه حتى ولو اغتسلت حروفه بالدم والذم والهم والغم، تشعر بحالة انهيار داخلي، تحاول أن تستدعي الذاكرة، وتقرأ ماضي هذا الشخص لعلك تنتصر على مشاعرك المضعضعة، لكنك لا تستطيع أن تطارد اللحظة المداهمة، فشخص مثل سيف الإسلام كان شجاعاً بطلاً صنديداً، لأنه كان يختبئ خلف ترسانة من الأسلحة، ويستند إلى حلفاء من الداخل والخارج، والآن بعد أن انحلت كل الروابط مع ذلك المجد وتحلل الرجل من عنفوان البسالة ووجد نفسه في قبضة من قال عنهم العقيد الراحل “الجرذان”، كان لابد أن ينطفئ السيف، ويختبئ في غمد وحدته وعزلته وينظر إلى من حوله بعين العطف، لعل وعسى يجد من يرأف أو يخفف من وطأة الحمى المستعرة التي تساور من نغَّص حياتهم، وسلبهم آدميتهم، واعتقل إرادتهم في العيش بلا رقيب أو حسيب، أو لجان ثورية.. أما عن الذين لم يعيشوا في ليبيا، ولم يروا القذافي سوى في المؤتمرات الرسمية وهو يرتدي العباءة من غزل اليد، والملابس المزركشة، والعبارات النادرة التي لم ترد إلا في نوادر جحا.. وكذلك سيف الإسلام الذي هدد وتوعد وأرعد وأزبد، ونذر حياته لتحرير ليبيا من الفلول، فإن هؤلاء الأشخاص سيجدون أنفسهم أمام مشاعر متناقضة، مشاعر تستدعي الماضي وتقول “يستاهل” ومشاعر تعيش اللحظة الراهنة، فيهش القلب، وقد تدمع العين، وتقول للقابضين على الذي كان مهماً ومهيمناً، ارحموا الرجل ولا تقتلوه، وفكروا في ليبيا، وابنوا بلدكم على أسس التراحم، وثقافة المسامحة، ودعوا الماضي خلف ظهوركم، وليبيا تحتاج إلى رجال متصالحين مع أنفسهم، منتصرين على ذواتهم، أما الماضي فقد ولى بفرسانه وافتراساته.. بينما مشاعر أخرى تقول مخاطبة سيف الإسلام قائلة: يا رجل ألم يكن بإمكانك أن تنصف هذا الشعب، وتعيش أنت وهو في وطن يرتع بالحرية، والتطور، والتعليم الصحيح، والصحة، والسكن، وصحافة لا تمجد شخصاً وإنما تُعلي شأن وطن.. ألم يكن بإمكانك أن تستغل شبابك اليافع، في بسط نفوذ العدالة، وتلقى احترام شعبك وتقديره لك.. فانظر يا سيد سيف الإسلام ماذا فعل والدك وماذا كان مصيره، الذي هو مصيرك أيضاً، وانظر ماذا فعل مانديلا الذي تسلَّح بالإرادة وصفاء النفس، وقال للنفس الأمّارة: لا.. لن أتشبث بالكرسي، لأني لن أخلد أبداً، فغيري قد يكون أصلح مني.. فقد تشعر يا سيف بالندم الآن ولكن لا جدوى من الندم، فالزمن لا يعيد نفسه.. ولكن قد يستفيد من قرأ التجارب الإنسانية قراءة صحيحة..


جميع الحقوق محفوظة © مجلة خلان الاخبارية.